محمد الغزالي
341
فقه السيرة ( الغزالي )
مع اليهود مرة أخرى ( يهود خيبر ) بقي أمام المسلمين فريقان من الخصوم الألداء : أعراب البادية الذين يسيحون في عرض الصحراء ، كالإبل السائمة ، لا يعقلون شيئا ، فإذا لاح مغنم طاروا وراءه ، وقلّما يلفتهم حديث الإيمان باللّه واليوم الآخر . وبنو إسرائيل الذين ظنوا النبوة حكرا عليهم ، فهم لا يفتؤون يجبّهون المسلمين ، ويكذّبون محمدا صلى اللّه عليه وسلم ويجحدون رسالته ، وقد أغرتهم القشور التي ورثوها من التوراة ، فجادلوا المسلمين جدالا طويلا ، وحرصوا أشد الحرص ألّا يعترفوا بهم ، ثم ذهبوا إلى حدّ التأليب عليهم كما رأيت ، فكانت سيرتهم مزيجا غريبا من الحقد والكبر والدّس ، ومع ما ألهب جلودهم من سياط كاوية في صراعهم مع المسلمين ، فإنّهم لم يتحولوا عن خطتهم المريبة قيد أنملة . وجمعت عداوة الإسلام بين الأعراب البله ، وأهل الكتاب اليهود ، وعندما فشلت الأحزاب في اقتحام يثرب ، وجنت قريظة عقبى غدرها ، لم يهدأ يهود خيبر ، أو يحاولوا إصلاح شؤونهم مع المسلمين ، كلا إنّهم شرعوا يصلون حبالهم بغطفان والأعراب الضاربين حولهم ، ليؤلفوا ضدّ الإسلام جبهة أخرى تكيد من جديد لمحمّد صلى اللّه عليه وسلم وصحبه . لكنّ المسلمين كانوا أيقاظا لهذه المؤامرات ، فما إن عادوا من عمرة الحديبية اخر السنة السادسة ، حتى توجّهوا في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر لكسر شوكة بني إسرائيل بها . ولم يفت المسلمين قبل مسيرهم أن يفصموا الجبهة المؤلّفة ضدّهم من يهود وغطفان ، فأوهموا غطفان أنّ الهجوم متجه إليهم ، وأنّ قوة المسلمين توشك أن تلتفّ بهم ، قال ابن إسحاق : بلغني أنّ غطفان لما سمعت بمنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خيبر جمعت له ، ثم خرجوا ليظاهروا يهودا عليه ، حتى إذا ساروا مرحلة